الشيخ محمد النهاوندي
35
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
عليهم كلمة العذاب بسبب كمال استحقاقهم له فَدَمَّرْناها وأفنينا أهلها ودورها ، ومحونا آثارها بالعذاب تَدْمِيراً وفناء عجيبا بديعا . ثم بيّن سبحانه أنّ عادته من أول الخلقة أخذ المتمردين بالعذاب بقوله : وَكَمْ أَهْلَكْنا وكثيرا ما عذّبنا مِنَ الْقُرُونِ والأمم المتمرّدة مِنْ بَعْدِ عصر نُوحٍ وإهلاك امّته بالطّوفان كعاد وثمود وقوم لوط وأضرابهم ، وإنّما خصّ إكثار العذاب بمن بعد نوح ؛ لأنّه أوّل نبي بالغ قومه في تكذيبه . ثمّ أنّه تعالى بعد إظهار قدرته على التعذيب ، بيّن كمال علمه بالمعاصي الباطنية والظاهرية بقوله : وَكَفى يا محمّد بِرَبِّكَ اللطيف بك بِذُنُوبِ عِبادِهِ الخفية والجلية والباطنية والظاهرية خَبِيراً بَصِيراً فيعاقب عليها ، فليحذر مكذّبوك من المشركين وأهل الكتاب من أن يبتلوا بمثل ما ابتلي به الأمم الماضية المهلكة بتكذيبهم الرسل . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 18 إلى 21 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) ثمّ لما هدّد اللّه الكفار بالعذاب ، وكان كثير منهم متنعّمين في الدنيا مستدلّين بتنعّمهم على كرامتهم على اللّه ، ردّهم سبحانه بقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ النّعم الْعاجِلَةَ واللّذات الدنيوية السريعة الزوال بأعماله الحسنة كإعانة الضعفاء وإغاثة الملهوفين ونظائرهما عَجَّلْنا لَهُ في إعطاء النعم الدنيوية ، وأسرعنا فِيها ولكن لا نعطي الكلّ للكلّ ، بل نعطي ما نَشاءُ إعطاءه منها لِمَنْ نُرِيدُ أن نعطيه منها ، فلا يفوز كلّهم بكلّ مطالبهم ، بل كثير منهم محرومون عن الدنيا ، فمن فاز منهم بها أخذناها منه سريعا ثُمَّ جَعَلْنا بدل النعم التي عجّلناها لَهُ جَهَنَّمَ وفنون العذاب الذي فيها . ثمّ إن كان أشدّ العذاب هو الآلام المقرونة بالذلّ والبعد ، بيّن غاية ذلّ الكافر المتنعّم المتكبّر وبعده بقوله : يَصْلاها ذلك المترف المتكبّر ، ويدخلها حال كونه مَذْمُوماً ومهانا باللوم و مَدْحُوراً ومطرودا من ساحة رحمة اللّه . ثمّ قيل : إنّ هذه الآية تقرير لقوله : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ « 1 » والمقصود أنّ من يريد
--> ( 1 ) . الإسراء : 17 / 13 .